يتم غسل دماغ المُقامرين المدمنين "حرفيًا ومجازيًا" بسبب التفاعلات الكيميائية التي تحدث فيها عند المُقامرة، وذلك لأن المُقامرة تتسبب في الإفراز المستمر لمادة الدوبامين؛ فالدماغ هو حاسوب كيميائي عملاق يتعلم من المُؤثرات المُحيطة، ويتحفز بنظام المكافآت (بالضبط كما يتحفز الفأر لرؤية قطعة الجبن في المصيدة)، وتتمتَّع أدمغتنا بالعديد من الخصائص الفريدة التي ضمنت بقائنا على مدى ملايين السنين في مُختلف الظروف التي شهدها كوكب الأرض، ومع ذلك فإن الإفرازات التي تنشط في الدماغ قد تضطر الكثيرين إلى السقوط في فخ إدمان القمار وصعوبة السيطرة على سلوكياتهم بعد ذلك لأنهم سيعتقدون بأنهم لا يفعلون شيء خاطئ بل أنهم "يتلذذون باللعب" ويتجاهلون العوارض الجانبية لادمان القمار والخسائر المادية والنفسية التي لحقت بهم جراء كثرة اللعب والإدمان على المُقامرة!

وفي هذا المقال سنُلقي نظرة على أهم الإفرازات والهرمونات التي تفرزها الدماغ وتتسبب في تنشيط نظام المُكافآت لدينا، ونظرًا لأننا مُختلفين في كل شيء فإن حجم إفراز هذه الهرمونات يكون أعلى من المتوسط عند البعض وبالتالي فهو ما يجعلهم يُثارون بشكلٍ أكبر عند تحقيق المكاسب ولا يفقدون الأمل عند الخسارة بل يُحاولون مرة تلو الأخرى أملًا في الحصول على المكسب لتُطلق أدمغتهم المزيد من "هرمونات السعادة" فيشعرون باللذة، والرضا عن النفس، والثقة بقراراتهم، وتتحسن حالتهم المزاجية بناءً على ذلك.

الأدرينالين

الأدرينالين هو هرمون يُحرك الدماغ والجسم للعمل. وهو يصل إلى أعلى مستوياته أثناء حالات التوتر أو الخطر فيما يُسمى استجابة "Fight or flight" (قاتل أو أهرب). يُزيد الأدرينالين من اليقظة والنشاط، ويُعزز تكوين واسترجاع الذاكرة، ويُركز الانتباه، يوسع بؤبؤ العين، ويُسكن كل أوجاع الجسم، ويُنشِّط العضلات كما أنه يُزيد من التململ والقلق ويزيد من معدل ضربات القلب وضغط الدم.

الدوبامين

انه عبارة عن ناقل عصبي الذي من شأنه تقديم العون في التحكم بمراكز المكافأة والمتعة في الدماغ، ويساعد على ان ينظم الاستجابات العاطفية والحركة. وهو يجعلنا نتخذ إجراءات وتدابير قوية للحصول على المكافآت. على سبيل المثال، تخيل أنك وجدت كنز علي بابا. ما الشعور الذي سيُراودك؟ هذا الشعور آتي من إفراز الدوبامين في الدماغ!
وفي الحياة العادية، فإن الأشخاص يُكافأون بالدوبامين عندما يصبحون مبدعين أو منتجين، أو حينما يتمكنون من اكتشاف أشياء جديدة، أو وضع علامة على المهام الصغيرة التي قاموا بأدائها، أو عند ممارسة الرياضة، أو إتمام يوم في العمل!
لاحظ أن الدماغ يطلق الدوبامين عندما تكون المكافأة متوقعة وقريبة من يدك وهذا هو ما يحدث لدى الأشخاص الطبيعيين، أما مُدمنو القمار فإن أدمغتهم القمار تعتقد بأن "الفوز قريب" مهما خسروا. ففي الاختبارات التي أجريت على المقامرين المُدمنين فإن الأشخاص يبدأون في إفراز اللعاب بمجرد مشاهدة مقاطع فيديو عن المقامرة.
هذا الأمر مُشابه لكلب بافلوف الذي تدرب على إفراز اللعاب عندما سمع ببساطة جرس الطعام على الرغم من أن الطعام لم يظهر بعد.

السيروتونين

هو افراز كيميائي تنتجه الخلايا وترسله بين الخلايا العصبية، وهو متواجد في الجهاز الهضمي ولكنه متواجد كذلك في الصفائح الدموية وفي الجهاز العصبي المركزي. يُساعد السيروتونين على تنظيم مزاجك بشكل طبيعي عندما تكون مستوياته طبيعية حيث أنك ستشعر بما يلي:
* أسعد
* أهدأ
* أفضل تركيزًا
* أقل قلقا
* أفضل مزاجًا

عقل المدمن على القمار

شرنا فيما قبل إلى تأثيرات إفراز الهرمونات في المُعدل الطبيعي، ولكن بالنسبة للمُدمنين على القمار فلم يعد هناك أي شيء طبيعي فيما بإفراز وتنظيم الأدرينالين والدوبامين والسيروتونين فهناك شره كبير تجاه هذه الهرمونات ويتم إفرازها بشكلٍ أعلى من المتوسط، ويبدأ إفرازها بمُجرد الدخول إلى الكازينو وقبل وضع الرهان الأول. فمُجرد التفكير في المُقامرة سيبدأ في إطلاق المواد الكيميائية المختلفة في الدماغ، وبمجرد وضع الرهان الأول، تتصاعد تلك المشاعر القوية مثل موجة تسونامي حيث يتم استدعاء ذكريات الانتصارات والأنماط ذات الأهمية المرتبطة بها في العقل والجسم.
ثم يتم إطلاق الأدرينالين ويبدأ القلب بالخفق في وتيرة سريعة؛ ويشعر المُقامر باستجابة "قاتل أو اهرب" ولكنه لا يهرب أبدًا لأنه يجد المُقامرة مُثيرة ومُبهجة كما أن لديه قناعات قوية بقدرته على تحقيق الفوز والكسب.
 يتم إطلاق كميات هائلة من الدوبامين / السيروتونين لتغسل الدماغ على مدار جلسة المُقامرة. قد تستغرق هذه الجلسة من بضع دقائق إلى بضع ساعات إلى يوم كامل وحتى عدة أيام .
يتم إطلاق الكورتيزول (هرمون التوتر) أيضًا عندما يخسر المقامر، لذا فإنه يُحاول الحصول على المزيد من الانتصارات (الدوبامين) للتخلص من هذا الشعور.
يتم غسل دماغ اللاعب – حرفيًا - بهذه الهرمونات وهو ما قد يجعله يقامر بأجوره الشهري كاملًا أو حتى المُقامرة بأجرة الحافلة والذهاب إلى المنزل مشيًا على قدميه!
أثناء هذه العملية، يتم إغلاق الفص الأمامي تقريبًا، مما يُضعف قدرة الدماغ على تقرير أن هذا يكفي ولذلك فلا يمكنهم الابتعاد أبدًا عن طاولة المُقامرة.

إدمان القمار مشابه لإدمان المخدرات

هذه الأعراض مماثلة لأعراض إدمان المُخدرات؛ فلن تتوقف جلسة القمار إلا عندما تنفد أموال المُقامر، أو عندما لا يتمكن من الحصول على الأموال من خلال وسائل أخرى (مثل مداهمة حسابات أخرى أو اقتراض/ بيع أشيائه الثمينة/ سرقة شيء ما، إلخ).
هذا النوع من السلوك يبدو جنونًا للشخص عادي، ولكن بالنسبة لعقل المدمن على المُقامرة فهو أمر طبيعي، لأن دوائر أدمغتهم قد أعادت تشكيل نفسها نتيجة لتجاربهم في المقامرة.